الحديث
الحادي والثلاثون
عن
أبي العبَّاسِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعديِّ
رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ:
(جاءَ
رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقالَ:
يا
رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ
إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ
وأَحبَّنِيَ النَّاسُ.
فَقَالَ:
{ ازْهَدْ
فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ
فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ
النَّاسُ
}.
حديثٌ
حَسَنٌ رواهُ ابنُ ماجَه وغيرُهُ بأسانيدَ
حَسنةٍ.
المفردات:
دلني:
أرشدني.
ازهد
في الدنيا:
اقتصر
على قدر الضرورة منها.
يحبك
الله:
لإعراضك
عما أمر بالإعراض عنه.
وازهد
فيما عند الناس:
من
الدنيا.
يحبك
الناس: لأن
قلوبهم مجبولة على حب الدنيا ، ومن نازع
إنسانا في محبوبه كرهه و قلاه ، ومن لم
يعارضه فيه أحبه.
الشرح :
قوله
"جَاءَ
رَجُلٌ"
لم
يعين اسمه ومثل هذا لا حاجة إليه، ولاينبغي
أن نتكلف بإضاعة الوقت في معرفة هذا الرجل،
وهذا يأتي في أحاديث كثيرة، إلا إذا كان
يترتب على معرفته بعينه اختلاف الحكم
فلابد من معرفته.
وقوله:
"دُلني
عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَملتُهُ أَحَبَّني
الله،وَأَحبَّني النَّاس "
هذا
الرجل طلب حاجتين عظيمتين:
أولهما
محبة الله عزّ وجل
والثانية
محبة الناس.
فدله
النبي صلى الله عليه وسلم على عمل معين
محدد.
فقال:ازهَد
في الدُّنيَا"
والزهد
في الدنيا الرغبة عنها، وأن لا يتناول
الإنسان منها إلا ما ينفعه في الآخرة،
وهو أعلى من الورع، لأن
الورع:
ترك
ما يضر من أمور الدنيا ،
والزهد:
ترك
مالا ينفع في الآخرة، وترك ما لا ينفع
أعلى من ترك ما يضر،
لأنه
يدخل في الزهد الطبقة الوسطى التي ليس
فيها ضرر ولا نفع، فالزهد يتجنب مالا نفع
فيه، وأما الوَرَع فيفعل ما أبيح له،لكن
يترك ما يضره.
وقوله:
"يُحِبكَ
الله"
هو
بالجزم على أنه جواب
:ازهَدو
الدنيا:
هي
هذه الدار التي نحن فيها،
وسميت
بذلك لوجهين:
الوجه
الأول:
دنيا
في الزمن.
الوجه
الثاني:
دنيا
في المرتبة.
فهي
دنيا
في الزمن لأنها قبل الآخرة،
ودنيا
في المرتبة لأنها دون الآخرة بكثير جداً،
قال
النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَمَوضِعُ
سوطِ أَحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ
الدُّنيَا وَمَا فيهَا"[228]
وقال
النبي صلى الله عليه وسلم
"ركعَتَا
الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا
فيهَا"[229]
إذاً
الدنيا ليست بشيء.ولذلك
لا تكاد تجد أنه يمر عليك شهر أو شهران أو
أكثر إلا وقد أصبت بالسرور ثم أعقبه حزن،
وما أصدق وصف الدنيا في قول
الشاعر:
فيوم
علينا ويوم لنا ويوم
نساء ويوم نسر
وقوله:
"وازهَد
فيمَا عِندَ النَاس يُحِبكَ النَّاس"
أي
لا تتطلع لما في أيديهم، ارغب عما في أيدي
الناس يحبك الناس، وهذا يتضمن ترك
سؤال الناس أي
أن لا تسأل الناس شيئاً، لأنك إذا سألت
أثقلت عليهم، وكنت دانياً سافلاً بالنسبة
لهم،فإن
اليد العليا المعطية خير من اليد السفلى
الآخذة.
الفوائد التربوية :
الفائدة
الأولى:يجب
على المؤمن أن يسعى لأن يكون محبوباً عند
الله وعند الناس.
الفائدة
الثانية:البحث
عن محبة الناس لا يناقض محبة الله ولا
يعارضها فإن المسلم طيب محبوب عند الله
ومحبوب عند الناس وفي المجتمع.
الفائدة
الثالثة:
دل على أن
الزهد في الدنيا يجلب محبة الله.
الفائدة
الرابعة:
دل على أن الزهد في ما عند الناس يجلب محبة الناس
دل على أن الزهد في ما عند الناس يجلب محبة الناس
الفائدة
الخامسة:
الزهد من أعمال القلب كما قاله أحمد رحمه الله.
الزهد من أعمال القلب كما قاله أحمد رحمه الله.
الفائدة
السادسة:من
أراد معرفة الزهد الحقيقي في الدنيا
فلينظر إلى زهده
صلى الله عليه وسلم
فإنه يجد أن حقيقة الزهد ألا يتعلق قلبه
بالدنيا فيحبها ولا يعارض هذا طلب الرزق
فيها والإدخار من المال والطعام كما كانت
حياته صلى الله عليه وسلم.
الفائدة
السابعة:
الزهد فيما عند الناس يقتضي عدم تعلق القلب بما في أيدي الناس وقطع النفس من النظر لهم والتطلع لما عندهم ومداهنتهم في دين الله رجاء ما في أيديهم ولا يمنع هذا المبايعة والمتاجرة معهم والكسب وغير ذلك.
الزهد فيما عند الناس يقتضي عدم تعلق القلب بما في أيدي الناس وقطع النفس من النظر لهم والتطلع لما عندهم ومداهنتهم في دين الله رجاء ما في أيديهم ولا يمنع هذا المبايعة والمتاجرة معهم والكسب وغير ذلك.
الفائدة
الثامنة:
دل على أن
من تعلق بالدنيا وقدمها لم يحبه الله،
لأنه سيقدم الدنيا على أمر الله.
الفائدة
التاسعة:
دل على أن الناس يكرهون من طلب منهم وسألهم ما في أيديهم، وهذا مستقر في فطر الناس وقلوبهم.
دل على أن الناس يكرهون من طلب منهم وسألهم ما في أيديهم، وهذا مستقر في فطر الناس وقلوبهم.
الفائدة
العاشرة :
من
زهد في الدنيا تعلق بما عند الله لأن القلب
لا بد له من متعلق يتعلق به ويثق به ويطمئن
إليه ولهذا من زهد في الدنيا أحبه الله.
الفائدة
الحادية عشر :
الحديث بيَّن حقيقة الناس وأنهم يحبون ما في أيديهم ويبغضون من سألهم إياه، ويسعون لمصالحهم ولو على حساب دين غيرهم، ولا يؤدون الحقوق الواجبة منهم، هذه حالهم فمن عرفها كيف يتعلق بهم ويرجوهم ويقدم طاعتهم على طاعة الله؟!!
الحديث بيَّن حقيقة الناس وأنهم يحبون ما في أيديهم ويبغضون من سألهم إياه، ويسعون لمصالحهم ولو على حساب دين غيرهم، ولا يؤدون الحقوق الواجبة منهم، هذه حالهم فمن عرفها كيف يتعلق بهم ويرجوهم ويقدم طاعتهم على طاعة الله؟!!
عن
أَبِي سعيدٍ سعدِ بنِ سِنانٍ الخُدْريِّ
رَضِي اللهُ عَنْهُ ,
أنَّ
رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قالَ:
{ لاَ
ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ }.
حديثٌ حسَنٌ رواهُ ابنُ ماجَه والدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُهُما مُسْنَدًا، ورواهُ مالكٌ في الْمُوَطَّأِ مُرْسَلاً
شرح الحديث الثاني والثلاثين من أحاديث الأربعين النووية
حديثٌ حسَنٌ رواهُ ابنُ ماجَه والدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُهُما مُسْنَدًا، ورواهُ مالكٌ في الْمُوَطَّأِ مُرْسَلاً
شرح الحديث الثاني والثلاثين من أحاديث الأربعين النووية
للشيخ
محمد صالح العثيمين غفر الله له
الشرح
:
"لاَ
ضَرَرَ" الضرر
معروف،والضرر يكون في
البدن ويكون
في
المال،
ويكون في
الأولاد،
ويكون في
المواشي وغيرها.
"ولا
ضرار"
أي
ولا مضارة
والفرق
بين الضرر والضرار:
أن
الضرر يحصل بدون قصد، والمضارة بقصد،
ولهذا جاءت بصيغة
المفاعلة.
مثال
ذلك:
رجل
له جار وعنده شجرة يسقيها كل يوم، وإذا
بالماء يدخل على جاره ويفسد عليه، لكنه
لم يعلم، فهذا نسمية ضرراً.
مثال
آخر:
رجل
بينه وبين جاره سوء تفاهم، فقال :
لأفعلن
به ما يضره، فركب موتوراً له صوت كصوت
الدركتر عند جدار جاره وقصده الإضرار
بجاره، فهذا نقول مضار.
والمضار
لا يرفع ضرره إذا تبين له بل هو قاصده،
وأما الضرر فإنه إذا تبين لمن وقع منه
الضرر رفعه.
وهذا
الحديث أصل
عظيم في
أبواب كثيرة، ولا سيما في
المعاملات:
كالبيع
والشراء والرهن والارتهان، وكذلك في
الأنكحة يضار الرجل زوجته أو هي تضار
زوجها، وكذلك في
الوصايا يوصي
الرجل وصية يضر بها الورثة.
فالقاعدة:
متى ثبت الضرر وجب رفعه، ومتى ثبت الإضرار وجب رفعه مع عقوبة قاصد الإضرار.
متى ثبت الضرر وجب رفعه، ومتى ثبت الإضرار وجب رفعه مع عقوبة قاصد الإضرار.
من
ذلك مثلاً:
كانوا
في الجاهلية يطلق الرجل المرأة فإذا شارفت
انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها ثانية
فإذا شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها
ثالثة ورابعة، لقصد الإضرار،فرفع
الله تعالى ذلك إلى حد ثلاث طلقات فقط.
مثال
آخر:رجل
طلق امرأته ولها أولاد منه،حضانتهم للأم
إلا إذا تزوجت، والمرأة تريد أن تتزوج
ولكن تخشى إذا تزوجت أن يأخذ أولاده،
فتجده يهددها ويقول:إن
تزوجتي أخذت الأولاد،وهو ليس له رغبة في
الأولاد ولا يريدهم،ولو أخذهم لأضاعهم
لكن قصده
المضارة بالمرأة بأن لا تتزوج،
فهذا لا شك أنه حرام وعدوان عليها، ولو
تزوجت وأخذ أولادها منها مع قيامها بواجب
الحضانة ورضا زوجها الثاني بذلك، لكن
قال:أريد
أن أضارها،ونعرف أنه إذا أخذهم لم يهتم
بهم، بل ربما يدعهم تحت رعاية ضرة أمهم،
يعني الزوجة الثانية، وما ظنك إذا كان
أولاد ضرتها تحت رعايتها سوف تهملهم،
وسوف تقدم أولادها عليهم، وسوف تهينهم،
ولكنه
أخذهم للمضارة،
فهذا لا شك أنه من المحرم.
مثال
آخر:رجل
أوصى بعد موته بنصف ماله لرجل آخر
الفوائد
التربوية :
الفائدة
الأولى:دليل
على رفع الحرج في الشريعة الإسلامية.
الفائدة
الثانية:يدل
على يسر الإسلام وسهولة أحكامه.
الفائدة
الثالثة:يحرم
الإضرار بالغير بجميع الصور والأشكال،
ولذلك أطلق الضرر في الحديث ولم يقيد
بقيد.
الفائدة
الرابعة:أحكام
الإسلام الشرعية وتكاليفه لا ضرر فيها.
الفائدة
الخامسة:من
مقاصد الإسلام منع الضرر قبل وقوعه ورفعه
بعد وقوعه.
الفائدة
السادسة:يربي
في النفس عدم حب الذات ولو على حساب غيره
من الناس.
الفائدة
السابعة:
يدل المسلم على مراعاة غيره من الناس واحترامهم في جميع أمور الحياة وشؤونها.
يدل المسلم على مراعاة غيره من الناس واحترامهم في جميع أمور الحياة وشؤونها.
الفائدة
الثامنة:
يزرع الألفة بين المسلمين والمحبة والأخوة لأنه ينفي الضرر بجميعه.
يزرع الألفة بين المسلمين والمحبة والأخوة لأنه ينفي الضرر بجميعه.
الفائدة
التاسعة:يعتبر
الحديث قاعدة عامة فكل أمر كان فيه ضرر
فيحرم شرعاً.
عن
ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُما، أنَّ
رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قالَ:
{لَوْ
يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُمْ، لاَدَّعَى
رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ،
لَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي
وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ}.
حديثٌ حَسَنٌ رواه البيهقيُّ وغيرُه هكذا، وبعضُه في الصحيحينِ.
حديثٌ حَسَنٌ رواه البيهقيُّ وغيرُه هكذا، وبعضُه في الصحيحينِ.
الشرح :
"لَو
يُعطَى"
المعطي
هو من له حق الإعطاء كالقاضي مثلاً والمصلح
بين الناس.
"بِدَعوَاهُم"
أي
بادعائهم الشيء،سواء كان إثباتاً أو
نفياً.
مثال
الإثبات:
أن
يقول:
أنا
أطلب فلاناً ألف ريال.
ومثال
النفي:
أن
ينكر ما يجب عليه لفلان، مثل أن يكون في
ذمته ألف ريال لفلان،ثم يدعي أنه قضاها،
أو ينكر أن يكون له عليه شيء.
"لادعى"
هذا
جواب "لَو" "لادعَى
رِجَال"
المراد
بهم الذين لا يخافون الله تعالى، وأما من
خاف الله تعالى فلن يدعي ماليس له من مال
أو دم،
"أَموَال
قَوم"
أي:
بأن
يقول هذا لي، هذا وجه.
ووجه
آخر أن يقول:
في
ذمة هذا الرجل لي كذا وكذا ، فيدعي ديناً
أو عيناً.
"وَ
دِمَاءهُم"
بأن
يقول:
هذا
قتل أبي، هذا قتل أخي وما أشبه ذلك.
أو
يقول:
هذا
جرحني، فإن هذا نوع من الدماء.
فلو
يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم
ودماءهم،
لأن
كل إنسان لا يخاف الله عزّ وجل لا يهمه أن
يدعي الأموال والدماء.
"وَلَكِنِ
البَينَةُ"
ما
يبين به الحق، وتكون في إثبات الدعوى
"عَلَى
المُدَعي"
"وَاليَمين"
أي
دفع الدعوى "عَلَى
مَنْ أَنكَر"
.
فهنا
مدعٍ ومدعىً عليه،
والمدعي
:
عليه
البينة، والمدعى
عليه:
عليه
اليمين ليدفع الدعوى.
"وَاليَمين
عَلَى مَنْ أَنكَر"
أي
من أنكر دعوى المدعي.
هذا
الحديث أصل عظيم في القضاء، وهو قاعدة
عظيمة في القضاء ينتفع بها القاضي وينتفع
بها المصلح بين اثنين وما إلى ذلك.
من الفوائد:
1-
أن
دم
المعصوم وماله لا
يُستحل ولا يُستحق بمجرد الدعوى، فالأصل
براءة ذمة المعصوم.
2-
غلبة
الظلم والكذب على
كثير من الناس.
3-
أن
الدعوى
لا تقبل إلا ببينة.
4-
أنه
لا فرق في ذلك بين الرجل العدل وغيره.
5-
الحكم
بالبينة.
6-
براءة
المدَّعى عليه بيمينه
إذا لم تكن للمدعي بينة.
7-
أن
البينة عامة في كل ما يبين الحق من شهود
وقرائن.
8-
أن
القاضي
لا يحكم بعلمه.
9-
أن
نكول المدَّعى عليه عن اليمين دليل للمدعي
فيحكم له بيمينه كما يُحكم له بالشاهد
واليمين.
10-
أن
الدعوى تكون في الدماء والأموال وغيرهما
من الحقوق، وذكرهما خرج مخرج الغالب.
11-
صيانة
الشريعة للحقوق من ظلم الظالمين.
عَنْ
أَبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ
قالَ:
سَمِعتُ
رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يقولُ:
{مَنْ
رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ
بِيَدِهِ ,
فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ,
وَذَلِكَ
أَضْعَفُ الْإيمَانِ}.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
المفردات:
رأى:
علم.
منكم:
معشر
المسلمين المكلفين.
منكرا:
شيئا
قبحه الشرع فعلا وقولا ، ولو صغيرا.
فليغيره:
فليزله.
بيده:
حيث
كان مما يزال بها ، ككسر آلة لهو ، وآنية
خمر.
فإن
لم يستطع:
الإنكار
بيده ، لكون فاعله أقوى منه ، ويلحقه الضرر
بالتغيير باليد.
فبلسانه:
بالقول:
كالتذكير
، أو بالتوبيخ.
فإن
لم يستطع:
ذلك
بلسانه لوجود مانع ، كخوف فتنة ، أو خوف
على نفس ، أو نحو ذلك.
فبقلبه:
ينكره
وجوبا بأن يكرهه به ، ويعزم أنه لو قدر
يقول ، أو فعل لقال وفعل.
وذلك:
الإنكار
بالقلب.
أضعف
الإيمان:
أقله
ثمرة.
شرح الحديث الرابع والثلاثين من أحاديث الأربعين النووية
للشيخ
محمد صالح العثيمين غفر الله له
الشرح:
"مَنْ"
اسم
شرط جازم
"رأى"
فعل
الشرط
وجملة
"فَليُغَيرْه
بَيَدِه"
جواب
الشرط.
وقوله:
"مَنْ
رَأَى"
هل
المراد من علم وإن لم يرَ بعينه فيشمل من
رأى بعينه ومن سمع بأذنه ومن بلغه خبر
بيقين وما أشبه ذلك، أو
نقول:
الرؤيا
هنا رؤية العين، أيهما
أشمل؟
الجواب
:
الأول،فيحمل
عليه،وإن كان الظاهر الحديث أنه رؤية
العين لكن مادام اللفظ يحتمل معنى أعم
فليحمل عليه.
وقوله:"مُنْكَراً"
هو
ما نهى الله عنه ورسوله، لأنه ينكرعلى
فاعله أن يفعله.
"
فَلْيُغَيِّرْهُ"
أي
يغير هذا المنكر بيده.
مثاله:
من
رأى مع شخص آلة لهو لا يحل استعمالها أبداً
فيكسرها.
وقوله:
"مُنْكَرَاً"
لابد
أن يكون منكراً واضحاً يتفق عليه الجميع
أي
المنكر والمنكر عليه،أو يكون مخالفة
المنكر عليه مبينة على قول ضعيف لا وجه
له.
أما
إذا كان من
مسائل الاجتهاد فإنه لا ينكره.
"فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ"
أي
إن لم يستطع أن ينكره بيده "فَبِلِسَانِهِ"
:
أي
فلينكره بلسانه ويكون ذلك:
بالتوبيخ،والزجر
وما
أشبه ذلك،
ولكن
لابد من استعمال الحكمة، كما سيأتي في
الفوائد إن شاء الله،
وقوله
"بِلِسَانِهِ"
هل
نقيس الكتابة
على القول؟
الجواب:
نعم،
فيغير المنكر باللسان، ويغير بالكتابة،
بأن يكتب في الصحف أو يؤلف كتباً يبين
المنكر.
"فَإنْ
لَمْ يَستَطِعْ فَبِقَلْبِهِ"أي
فلينكر بقلبه،أي يكرهه ويبغضه ويتمنى أن
لم يكن.
"
وَذَلِكَ"
أي
الإنكار بالقلب
"أَضْعَفُ
الإِيْمَانِ":
أي
أضعف مراتب الإيمان في هذا الباب أي في
تغيير المنكر.
من
الفوائد:
1-
وجوب
تغيير المنكر،
وذلك بإزالته أو تخفيفه وبإقامة العقوبة
الشرعية على فاعله.
2-
أن
تغيير
المنكر فرض كفاية على
من علم به وقدر على تغييره بيده أو لسانه،
وأما
التغيير بالقلب ففرض عين.3-
مراتب
تغيير المنكر.
4-
أن
أعلى
مراتب تغيير المنكر تغييره باليد،
وذلك إذا اقتضى عملاً كإتلاف آلة المنكر،
والعين المحرمة وعقوبة فاعله، ومن ذلك
إقامة الحدود والتعزيرات، مما هو إلى
السلطان.
5-
أن
المرتبة
الثانية التغيير باللسان،
وذلك ببيان حكم المنكر والزجر عنه ولوم
فاعله ودعوته للتوبة.
6-
أن
المرتبة
الثالثة التغيير بالقلب،
وذلك ببغض المنكر والرغبة الصادقة في
زواله والعزم على تغييره بالقول والفعل
لو أمكن ذلك.
7-
أن
مناط ترتيب هذه المراتب هو الاستطاعة،
فلا يُصار إلى المرتبة الدنيا مع القدرة
على ما فوقها.
8-
أن
من غيَّر بما يستطيع فقد قضى ما عليه كما
قال أبو سعيد ، وبرئت ذمته.
9-
أن
تغيير المنكر من الإيمان.
10-
أن
العمل من الإيمان ؛ عمل القلب أو الجوارح.
11-
الرد
على المرجئة.
12-
أن
الواجب
يختلف باختلاف القدرة.
13-
أنه
لا عذر عن التغيير بالقلب.
14- أن مناط الوجوب القدرة، فلا واجب مع العجز.
14- أن مناط الوجوب القدرة، فلا واجب مع العجز.
15-
أن
هذه المراتب
في مقدار الواجب لا في مرتبة المكلَّف،
فقد يكون من يغير بقلبه مع العجز أكملَ
مِمّن يغير بيده أو لسانه لما يقوم بقلبه
من صدق الإرادة، وبهذا يظهر معنى (
أضعف
الإيمان )،
وأن
المراد أقل ما يجب، ومثله قوله في الحديث
الآخر (
ليس
وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )
.
16-
أن
من لم يغير بقلبه فلاحظ له من هذا الإيمان،
وهو تغيير المنكر وجهاد أهله.
17-
أن
المطلوب تغيير
المنكر لا مجرد الإنكار،
فإن أدى إلى منكر أكبر منه فإنه يصير
الإنكار حينئذ منكراً، ويكون التغيير
والحالة هذه غير مستطاع.
18-
في
الحديث شاهد ليسر الإسلام في شرائعه.
عَنْ
أَبي هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ
قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:
{لاَ
تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ
تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ
يَبِعْ بَعْضُكُم عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ،
وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا،
المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ
يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ
يَحْقِرُهُ.
التَّقوَى
هَهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِه ثَلاَثَ
مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ
أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ
المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ
دَمُهُ وَمَالُهُ وعِرْضُهُ}.
رَوَاهُ
مُسْلِمٌ.
المفردات:
لا
تحاسدوا:
لا
يحسد بعضكم بعضا.
ولا
تناجشوا: لا
يزد بعضكم في ثمن سلعة لا يريد شراءها.
ليخدع
بذلك غيره ممن يرغب فيها.
ولا
تباغضوا:
لا
تتعاطوا أسباب التباغض.
ولا
تدابروا: لا
يعط أحد منكم أخاه دبره حين يلقاه مقاطعة
له.
ولا
يبع بعضكم على بيع بعض:
بأن
يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار:
افسخ
هذا البيع ، وأنا أبيعك مثله بأرخص منه
ثمنه ، أو أجود منه بثمنه.
أو
يكون المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما
وتراضيا ، ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه
، أو يعطيه بأنقص ، وهذا بعد استقرار الثمن
، أما قبل الرضا فليس بحرام.
وكونوا
عباد الله أخوانا:
كالتعليل
لما تقدم ، أي تعاملوا معاملة الأخوة في
المودة ، والرفق والشفقة والملاطفة ،
والتعاون في الخير ، ونحو ذلك مع صفاء
القلوب.
المسلم
أخو المسلم:
لأنه
يجمعهما دين واحد ،
قال تعالى:
(( إنما
المؤمنون أخوة )).
لا
يظلمه:لا
يدخل عليه ضررا في نفسه ، أو دينه ، أو
عرضه ، أو ماله بغير إذن شرعي.
ولا
يخذله: لا
يترك نصرته المشروعة ، لأن من حق حقوق
أخوة الإسلام:
التناصر.
ولا
يكذبه:
بفتح
ياء المضارعة ، وتخفيف الذال المكسورة
على الأشهر ، ويجوز ضم أوله وإسكان ثانية
لا يخبره بأمر خلاف الواقع.
ولا
يحقره:
بالحاء
المهملة والقاف لا يستصغر شأنه ويضع من
قدره ، لأن الله لما خلقه لم يحقره بل رفعه
وخاطبه وكلفه.
التقوى:
اجتناب
عذاب الله بفعل المأمور ،و ترك المحظور.
بحسب
امريء من الشر: يكفيه
من الشر.
عرضه:
حسبه وهو
مفاخره ومفاخر آبائه ، وقد يراد به
النفس.
الشرح :
الشرح :
قوله:
"لا
تَحَاسَدوا"
أي
لا يحسد بعضكم بعضاً. وما
هو الحسد؟
قال
بعض أهل العلم:الحسد
تمني زوال نعمة الله عزّ وجل على الغير،
أي أن يتمنى أن يزيل نعمته على الآخر،سواء
كانت النعمة مالاً أو جاهاً أو علماً أو
غير ذلك.
وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية-
رحمه
الله -
الحسد:
كراهة
ما أنعم الله به على الغير وإن لم يتمن
الزوال. ومن
المعلوم أن من لازم الكراهة أن يتمنى
الزوال،لكن كلام الشيخ -رحمه
الله -
أدق،
فمجرد ما تكره أن الله أنعم على هذا الرجل
بنعمة فأنت حاسد.
"وَلا
تَنَاجَشوا"
أي
لا ينجش بعضكم على بعض، وهذا في المعاملات،
ففي
البيع المناجشة:
أن
يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، لكن
يريد الإضرار بالمشتري أو نفع البائع،
أو
الأمرين معاً .
مثال
ذلك:عرضت
سلعة في السوق فسامها رجل بمائة ريال،
هذا الرجل السائم تعدى عليه رجل آخر
وقال:بمائة
وعشرة قصده الإضرار بهذا السائم وزيادة
الثمن عليه، فهذا نجش.
ورجل
آخر رأى
رجلاً يسوم سلعة وليس بينه وبين السائم
شيء، لكن السلعة لصديق له، فأراد أن يزيد
من أجل نفع صديقه البائع، فهذا حرام ولا
يجوز.
ورجل
ثالث:
أراد
الإضرار بالمشتري ونفع البائع فهذا أيضاً
حرام.
قال:
"وَلا
تَبَاغَضوا"
أي
لا يبغض بعضكم بعضاً ، والبغضاء لا يمكن
تعريفها، تعريفها
لفظها:كالمحبة
والكراهة، والمعنى:
لا
تسعوا بأسباب البغضاء. وإذا
وقع في قلوبكم بغض لإخوانكم فاحرصوا على
إزالته وقلعه من القلوب.
"وَلا
تَدَابَروا"
إما
في الظهور بأن يولي بعضكم ظهر بعض، أولا
تدابروا في الرأي، بأن يتجه بعضكم ناحية
والبعض الآخر ناحية أخرى.
"وَلاَ
يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ"
مثال
ذلك:رأيت
رجلاً باع على آخر سلعة بعشرة،فأتيت إلى
المشتري وقلت:
أنا
أعطيك مثلها بتسعة،أو أعطيك خيراً منها
بعشرة،فهذا بيع على بيع أخيه، وهو
حرام.
"وَكونوا
عِبَادَ اللهِ إِخوانَاً"
أي
صيروا مثل الإخوان،ومعلوم أن الإخوان
يحب كل واحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه.
وقوله:
"عِبَادَ
اللهِ"
جملة
اعتراضية،المقصود منها الحث على هذه
الإخوة .
ثم
قال:
"المُسلِمُ
أَخو المُسلِمِ"
أي
مثل أخيه في الولاء والمحبة والنصح وغير
ذلك.
"
لاَ
يَظلِمهُ"
أي
لا ينقصه حقه بالعدوان عليه، أو جحد ما
له ، سواء كان ذلك في الأمور المالية ،أو
في الدماء،أو في الأعراض، في أي شيء.
"
وَلاَ
يَخذُلُهُ"
أي
لا يهضمه حقه في موضوع كان يحب أن ينتصر
له.
مثاله:أن
يرى شخصاً مظلوماً يتكلم عليه الظالم،
فيقوم هذا الرجل ويزيد على الذي يتكلم
عليه ولا يدافع عن أخيه المخذول ، بل
الواجب نصر أخيه ولا يكذبه أي لا يخبره
بالكذب، الكذب القولي أو الفعلي.
مثال
القولي:أن
يقول حصل كذا وكذا وهو لم يحصل.
ومثال
الفعلي:
أن
يبيع عليه سلعة مدلسة بأن يظهر هذه السلعة
وكأنها جديدة، لأن إظهاره إياها على أنها
جديدة كأنه يقول بلسانه هي جديدة، فلا
يحل له أن يكذبه لا بالقول ولا بالفعل.
"
وَلاَ
يَحْقِرُهُ"
أي
لا يستصغره، ويرى أنه أكبر منه، وأن هذا
لا يساوي شيئاً,
ثم
قال:
"التَّقوى
هَاهُنا"
يعني
تقوى الله عزّ وجل في القلب وليست في
اللسان ولا في الجوارح،وإنما اللسان
والجوارح تابعان للقلب.
"وَيُشيرُ
إِلَى صَدرِهِ ثَلاثَ مِرَاتٍ"
يعني
قال:
التقوى
هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا،
تأكيداً لكون القلب
هو المدبر للأعضاء.
ثم
قال:
"بِحَسبِ
امرُىءٍ مِنَ الشَّرِّ"
الباء
هذه زائدة، وحسب بمعنى كافٍ و "أَن
يَحْقِرُهُ"
مبتدأ
والتقدير حقر أخيه كافٍ في الشر،
وهذه
الجملة تتعلق بقوله:
"وَلا
يحَقِرَهُ"
أي
يكفي الإنسان من الإثم أن يحقر أخاه
المسلم، لأن حقران أخيك المسلم ليس بالأمر
الهين.
"كُل
المُسلِم عَلَى المُسلِم حَرَام"
ثم
فسر هذه الكلية بقوله:
"دَمُهُ
وَمَالُهُ وَعِرضُهُ"
يعني
أنه لا يجوز انتهاك دم الإنسان ولا ماله
ولا عرضه،كله حرام.
الحديث
أصل في الأخوة الإيمانية وحقوقها
وفيه
من الفوائد:
1-
تحريم
الحسد
بين المسلمين ,
وهو
تمني زوال النعمة عن المحسود.
2-
تحريم
النجش،
وهو أن يزيد في السلعة مَنْ لا يريد شراءها،
أو يزيد على ثمن مثلها مَنْ يعرضها.
3-
تحريم
التباغض
بين المسلمين.
4-
تحريم
التدابر،
وهو أن يُعرض بعضهم عن بعض عند اللقاء.
5-
تحريم
أن يبيع المسلم على بيع أخيه، وهو أن يقول
لمن اشترى سلعة بعشرة مثلاً :
أنا
أعطيك مثلها بتسعة، ليفسخ ويعقد معه.
6-
تحريم
شراء
المسلم على شراء أخيه،
وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة مثلاً :
أنا
أعطيك فيها عشرة.
7-
أن
من تحقيق
العبودية لله رعاية
الأخوة الإيمانية.
8-
أن
العبودية
لله خاصة وعامة،
والمذكورة هنا من الخاصة، وهي عبودية
الطاعة والافتقار بالاختيار.
9-
إثبات
الأخوة بين
المسلمين.
10-
أن
ظلم المسلم ينافي صدق الأخوة الإسلامية.
11-
أن
ترك نصرة المسلم مما ينافي الأخوة،
وقد قال(
انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً ).
12-
أن
من دواعي ترك الكذب رعايةَ الأخوة
الإسلامية.
13-
أن
من حق المسلم على المسلم ألا
يحقره.
14-
وجوب
الصدق
والتناصر والتواضع وتحريم الظلم بين
المسلمين.
15-
أن
أصل التقوى وحقيقتها في القلب، وما يظهر
على الجوارح من طاعة الله أثر لها وفرع
عنها، ويشهد لهذا
قوله
تعالى {ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
16-
أن
من تقوى الله القيام بحق المسلم على المسلم
فعلاً وتركاً.
17-
توضيح
المعنى المراد بالفعل، لقوله :
(
وأشار
إلى صدره ).
18-
أن
الانحراف الظاهر في القول والعمل يدل على
ضعف تقوى القلب.
19-
أن
احتقار
المسلم لأخيه شر
عظيم ومجلبة للشر.
20-
تحريم
دم المسلم وماله وعرضه على المسلم.
21-
أن
للمسلم حرمة عظيمة عند الله، من أجل ذلك
حرّم منه ما حرّم، ويشهد لهذا
.jpg)
.jpg)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق